كلمة السيد الرئيس محمود عباس أمام البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ

الخطابات
أيار 16، 2006

السيـد الرئـيس جوزيف بـوريل فـونتين

السيدات والسادة المحترمون أعضاء البرلمان

أود في البداية أن أشكركم على الدعوة التي أتاحت لي اليوم شرف مخاطبة هذا المحفل الذي يجسد قصة نجاح متميزة لشعوب القارة الأوروبية ، قصة تحفل بالعديد من الدروس الملهمة لكثير من شعوب العالم وأقاليمه.

 

السيد الرئيس

السيدات والسادة

أتحدث إليكم اليوم، ناقلاً رسالة شعبنا الفلسطيني، إلى ممثلي شعوب قارة، تجمعنا وإياها جيرة دائمة، وعلاقات تاريخية متصلة ومتنوعة ومتشابكة، وتطلعات لمستقبل مزدهر، لنبني فوق مياه المتوسط، جسوراً تؤسس لتعاون وشراكة في مجالات مختلفة، وعبر حوار خصب، بين حضارات من شأنها إغناء القيم الإنسانية، ونبذ الأفكار المتطرفة والعنصرية، وتصحيح الانطباعات والصور التقليدية المغلوطة، فتتعزز بذلك جيرتنا التاريخية، ونرسي دعائم السلام والازدهار والتقدم في المنطقة.

أدرك وأنا أتحدث إليكم اليوم، أنني أخاطب مشرعين يطلون عن قرب على مشاكلنا،وان عشرات منهم كانوا شهود عيان خلال زياراتهم لبلادنا، على ما يعانيه الشعب الفلسطيني،هذا الشعب الذي أحيا يوم أمس الذكرى الثامنة والخمسين " للنكبة الفلسطينية" التي حدثت في العام 1948، حيث أُلحق بشعبنا ظلم تاريخي يوم جرى اقتلاعه من أرضه، وتدمير بنية مجتمعه،وتشريد غالبية أبنائه وتحويلهم إلى لاجئين، وحرمانه من حقوقه الوطنية الثابتة.

وطوال المسيرة السياسية والنضال الوطني للشعب الفلسطيني بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية ومنذ إقامة السلطة الوطنية الفلسطينية في العام 1994، بعد توقيع إعلان المبادئ فقد كان الحرص على دور أوروبي رئيسي وفاعل ونشط، ركناً أساسياً من أركان السياسة والدبلوماسية الفلسطينية، ولا ينسى شعبنا المواقف المتقدمة للعديد من الدول الأوروبية، تجاه دعم حقوق الشعب الفلسطيني وحركة تحرره الوطني بقيادة منظمة التحرير، ودعمها السياسي والمادي والتقني السخي من أجل بناء مؤسساته وكيانه الوطني، في مواجهة آثار سياسات الاحتلال والحصار والتدمير. وهو دعم كان يعزز باستمرار ثقة شعبنا بعدالة قضيته وبالشرعية الدولية. وطبيعي في هذه اللحظة، وهي لحظة صعبة أخرى، أن نتطلع إلى أوروبا، فالمرحلة مفتوحة على احتمالات خطرة، وطبيعي أن ننتظر دورا أوروبيا ريادياً.

إن سعينا لتحقيق السلام لم يتوقف منذ عقود ، ورغم هول الظلم التاريخي الذي لحق بشعبنا فقد كنا قادرين على صياغة سياسة واقعية لاسترداد حقوق شعبنا في تقرير مصيره. فمنذ مراحل مبكرة، شهدت عديد العواصم الأوروبية، لقاءات سرية وعلنية بين ممثلين لمنظمة التحرير ونشطاء إسرائيليين من معسكر السلام، كما أن عاصمة أوروبية هي أوسلو، استضافت أول اتصالات رسمية بين منظمة التحرير والحكومة الإسرائيلية، وتوقيعا بالأحرف الأولى على أول اتفاق في التاريخ بين الطرفين في العام 1993، قبل أن يوقع رسمياً في واشنطن في العام نفسه.

سبق ذلك في العام 1988موافقة مجلسنا الوطني على قراري مجلس الأمن 242 و 338 لإفساح الفرصة أمام مصالحة تاريخية. وأصدقكم القول، أن الأمر لم يكن سهلا على أعداد كبيرة من أبناء شعبنا، ولكننا كقيادة، وأذكر هنا دور قائدنا التاريخي ياسر عرفات، امتلكنا الشجاعة لاتخاذ تلك القرارات، والتي تقوم على أساس قيام دولة فلسطينية على 22 % من أراضي فلسطين التاريخية، تمثل الأراضي التي احتلتها إسرائيل في العام 1967.

بعد إقامة السلطة الوطنية واصلنا سعينا الحثيث من أجل السلام، وكررنا على الدوام تأكيدنا أن جوهر العملية يقوم على مبدأ "الشراكة"، شراكة تلتزم الاتفاقات، وتسعى لحل مشكلات فرضها إرث الصراع الدموي الطويل المرير، شراكة تتفهم الهموم المشروعة للآخر، وتؤسس لمستقبل جديد ومختلف بين الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي.

غير أن ما وجه أقسى الضربات لعملية السلام، التي كان يفترض أن تصل إلى مراحلها النهائية خلال سنوات قليلة، كان الرفض الإسرائيلي لمنطق الشراكة، والإصرار على ممارسة سياسات مدمرة، وعلى رأسها الاستيطان، وبناء الجدران، ومصادرة الأراضي، لخلق أمر واقع يستبق نتائج المفاوضات. وأصبح التحلل من الالتزامات، والتنكر للاتفاقات، ورفض الرعاية الدولية، سمة أساسية للسياسة الإسرائيلية، مما أفقد عملية السلام زخمها وهز قناعة الشعوب بجدواها، وتطورت هذه السياسة في السنوات الأخيرة، إلى مرحلة محاولة التدمير الكامل للسلطة الوطنية الفلسطينية ومؤسساتها،وتنفيذ حملات التدمير المنهجي للبنية التحتية التي ساهمت دولكم في تشييدها.

 

السيد الرئيس

حضرات النواب

رغم حالات الإحباط الشديد، ورغم المعاناة الشديدة، التي أثق أنكم تدركون حجمها وقساوتها، ومنكم من عايشها عن قرب ، فقد حرصنا على ألا ننجر إلى ما يحرف نضالنا الوطني، عن مساره، أو لا يتوافق مع القانون والشرعية الدولية، فرفضنا وأدنا أية عمليات تستهدف المدنيين، ورفضنا الإرهاب بكافة أشكاله وصوره، وأكدنا حرصنا على تعزيز ثقافة السلام ، وعلى الطابع السلمي والجماهيري لمقاومة الاحتلال.

 

السيد الرئيس

السيدات والسادة

قبل 16 شهراً شهدت الأراضي الفلسطينية انتخابات رئاسية بعد رحيل الرئيس عرفات، تقدمت إليها ببرنامج واضح محدد، عناوينه الأساسية، إعلان هدنة، وتأكيد التمسك بالمفاوضات طريقا لحل الصراع، بجانب تبني سياسة إصلاحية في مختلف المجالات، وتعزيز الممارسة الديمقراطية، وتحقيق التهدئة والأمن وسيادة القانون.

وقد منحني الشعب الفلسطيني ثقة غالية اعتز بها، وبدأنا العمل على الفور، فاتفقت كافة القوى والفصائل على تهدئة، وفرت للمرة الأولى منذ سنوات، انخفاضاً شبه كامل في العمليات المسلحة، غير أن هذا قوبل من الجانب الإسرائيلي، بإصرار على مواصلة بناء جدار الفصل العنصري في الضفة الغربية، لتمزيق أراضيها إلى كانتونات متناثرة، ومواصلة الاغتيالات، والاعتقالات، والتوغلات العسكرية. في مدننا، وقرانا،ومخيماتنا، وتشديد الحصار الخانق، بالإضافة إلى احتجاز آلاف الأسرى في السجون،ورفض تنفيذ الاتفاقات والتفاهمات، بما فيها ما توصلنا إليه في شرم الشيخ بعد انتخاباتنا الرئاسية، ورغم ذلك كله، تجاوبنا مع خطة إسرائيل للانسحاب من قطاع غزة، وأمنا تنفيذا سلسا وهادئا له، وأثبتنا قدرتنا على تولي مهامنا الأمنية، خاصة، في المناطق الحدودية، حيث تسهم بعثة مراقبين من الاتحاد الأوروبي، بمساعدتنا بشكل فعال في تامين انتظام عمل أول نقطة حدودية في التاريخ، تكون تحت إشراف فلسطيني كامل. 
إن السياسة الإسرائيلية التي لم تتجاوب مع يدنا الممدودة للتفاوض، ولإعطاء السلام فرصة، زادت من الإحباط لدى شعبنا، وفاقمت الوضع الاقتصادي المتردي، وجعلت التنقل بين مدينة وأخرى رحلة طويلة شاقة، محفوفة بالمخاطر، بسبب الحواجز المنتشرة في مختلف أرجاء الضفة الغربية، حيث يمارس القهر والإذلال، بحق مواطنين يريدون ممارسة حياة عادية لا أكثر أو أقل، يريدون الوصول إلى أعمالهم، أو اصطحاب أطفالهم إلى المدارس أو الذهاب إلى حقولهم، أو إلى المستشفيات والجامعات والمساجد والكنائس.

شكل هذا الإحباط الناتج عن ممارسات الاحتلال، وانسداد أي أفق في عملية السلام، خلفية للانتخابات التشريعية، التي جرت في كانون الثاني الماضي، وشهد العالم كيف نفذنا بسلاسة عملية نقل السلطة، مرسخين أسس وتقاليد عملية ديمقراطية، رغم أننا أكدنا ونؤكد أن الديمقراطية تبقى فاقدة لجوهرها في غياب حرية الشعب، واستمرار الاحتلال.

منذ أربعة أشهر نعيش تجربة غير مسبوقة لدينا، فقد فازت في الانتخابات قائمة شكلت حكومة لا يتوافق برنامجها المعلن مع برنامجي ولا مع التزامات واتفاقات السلطة.

إن مقاربتنا الداخلية لمعالجة هذا الوضع، تنطلق من نفس المفاهيم التي كانت وراء تمسكنا بإجراء الانتخابات في موعدها، فنحن نعالج هذه الإشكالية داخل مؤسساتنا، ووفق قوانيننا وأنظمتنا، وما تشهده أراضينا من حراك سياسي خصب، خلال الشهور القليلة الماضية، يبلور بالتدريج رأياً عاماً يؤكد الحرص على احترام اتفاقات والتزامات السلطة، وتأكيد الالتزام بالشرعية الدولية، وقد طلبت من الحكومة الجديدة أن تصوب برنامجها ليتوافق مع هذه الالتزامات، ونحن في حوار متصل، سيتخذ شكل حوار وطني موسع بعد أيام، وآمل أن نتوصل من خلاله إلى عملية التصويب المطلوبة.

إن مقاربتنا هذه تحتاج دعم المجتمع الدولي، فالحكومة الجديدة يجب أن تعطى الفرصة للتكيف مع المتطلبات الأساسية للمجتمع الدولي، إلا إن وقف المساعدات عن السلطة الوطنية يعني مفاقمة وضع اقتصادي واجتماعي متدهور ، ويعني إضعافا لشبكة الوزارات، والإدارات، والمؤسسات الحكومية الكفؤة والعاملة، التي كان لدول الاتحاد الأوروبي الدور الأبرز في بنائها وتطويرها. وهنا أود أن أتقدم بشكري الجزيل لقرار اللجنة الرباعية الأخير باستئناف تقديم الدعم للشعب الفلسطيني ضمن آلية سيحددها الاتحاد الأوروبي.

 

السيد الرئيس

أيتها السيدات والسادة

إن الحكومة الإسرائيلية ترفع الآن مجددا شعار "لا يوجد شريك فلسطيني"، وتذكرون أنهم استخدموا هذا الشعار في السابق، كذريعة للتحلل من الاتفاقات، ومن العودة إلى طاولة المفاوضات، ونشعر بقلق شديد على مستقبل السلام في منطقتنا، ونحن نستمع لمشاريع إسرائيلية تستهدف رسم الحدود النهائية لإسرائيل، على حساب الأراضي الفلسطينية المحتلة. إن هذه المشاريع ستقوض فرص التنفيذ العملي لحل الدولتين، عبر ضم مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية، وتحويل ما تبقى إلى جزر متناثرة تفتقر لترابط جغرافي طبيعي، ولمصادر المياه التي سيتم استيلاء إسرائيل عليها، إن الإقدام على تنفيذ هذه المشاريع الأحادية، يعني الإجهاز على ما تبقى من آمال بإحياء عملية السلام، وسيكون حاضنة ،ولحقبة مريرة جديدة من التوتر والصراع، ستدفع شعوب المنطقة ثمنا باهظا له.

إن ادعاء غياب الشريك الفلسطيني لا معنى له، عندما نؤكد استعدادنا الفوري للعودة إلى طاولة المفاوضات، سعيا للتوصل إلى اتفاق ينهي هذا الصراع الطويل، من منطلق الصلاحيات الدستورية، التي نصت عليها قوانيننا الأساسية، والتي تعطي مسؤولية المفاوضات للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ورئيسها، ومن خلال دائرة شؤون المفاوضات في منظمة التحرير، وقد أكدت للسيد إيهود أولمرت عندما اتصلت به مهنئنا بتقلده منصبه قبل أيام على رغبتنا الجادة في العودة الفورية إلى طاولة المفاوضات.

إن العالم مطالب بالتحرك الفوري لمنع انزلاق المنطقة إلى هاوية جولة جديدة من الصراع، في لحظة تشهد فيها منطقتنا نقاط توتر ساخنة أخرى. إن هذا التحرك يجد سنداً قانونياً له في قرارات الشرعية الدولية، وخطة "خارطة الطريق"، وفي اعتماد المفاوضات بين شركاء المستقبل، بديلاً لسياسة الخطوات الأحادية، والإملاءات، ونفي الآخر. وهذا التحرك يجد مسوغاته، وضروراته، في ما يوحد شعوب المنطقة من توق للحرية والسلام والتنمية والتحديث، وهو ما تلتقي به مع شعوب الدول الأوروبية.

 

السيد الرئيس

السيدات والسادة

مرة أخرى أشكركم على هذه الدعوة وعلى حسن الاستقبال.

إنني أؤمن، أنني تحدثت إلى أصدقاء نشاركهم الحرص على تعزيز قيم الحرية والديمقراطية والتسامح والحوار، واثق بقوة أنكم ستواصلون دعم القضية العادلة لشعبنا الفلسطيني حتى ينال حريته ويبني دولته المستقلة في الأرض المقدسة.

أشكركم على إصغائكم وأتوجه بالتحية لكل عضو منكم

Back to top