الآثار والتراث الثقافي: استراتيجية إسرائيل لترسيخ الضم الفعلي للضفة الغربية

ملخص إعلامي
تشرين الثاني 27، 2025

الآثار والتراث الثقافي: استراتيجية إسرائيل لترسيخ الضم الفعلي للضفة الغربية


  1. السياق

بين عامي 2013 و2025، أصدرت سلطات الاحتلال الإسرائيلية، بما فيها الإدارة المدنية، وهيئة الآثار الإسرائيلية، وهيئة الطبيعة والحدائق الإسرائيلية  63 أمرًا عسكريًا بشأن الآثار الواقعة في الضفة الغربية المحتلة (أنظر الملف المرفق أسفل الصفحة)، ما أدى إلى مصادرة أو وضع أكثر من 7012 دونمًا من الأرض الفلسطينية المحتلة في كل من محافظات نابلس ورام الله وسلفيت تحت السيطرة الإسرائيلية الحصرية. وتشكل هذه الإجراءات جزءًا من استراتيجية ممنهجة وأوسع نطاقًا لتعزيز وتكريس الضم الفعلي لأراضي الضفة الغربية، من خلال التلاعب بالآثار والبنية التحتية السياحية وإدارة التراث الثقافي.

ويشارك في هذه القرصنة الكبرى:

  • ضابط الآثار الإسرائيلي في الإدارة المدنية
  • العديد من دوائر التاريخ والآثار في الجامعات الإسرائيلية
  • صناديق وجمعيات إنجيلية وتوراتية في العالم
  • لصوص فلسطينيين

تترافق هذه الأوامر مع تحركات سياسية وتشريعية موازية، بما في ذلك قرار مجلس الوزراء  الإسرائيلي بالسماح للإدارة المدنية بالسيطرة على المواقع التراثية في "المنطقة ب" بحسب تصنيف اتفاقية أوسلو الانتقالية، واقتراح الكنيست الإسرائيلي بتوسيع نطاق "قانون سلطة الآثار" ليشمل الضفة الغربية. الأمر الذي يتيح استخدام التراث كسلاح لمحو تاريخ الفلسطينيين وإرثهم، ويمثل استهدافًا واضحًا للسيادة الفلسطينية ومحاولة لتقويض حل الدولتين، في انتهاك صريح للقانون الدولي وللاتفاقيات والمعاهدات المتعلقة بحماية التراث والموروث الثقافي.

بالتوازي مع ذلك، صنّفت إسرائيل، في آب 2025، 63 موقعًا أثريًا فلسطينيًا في الضفة الغربية كـمواقع تراثية إسرائيلية، مُدمجةً إياها في سرديات السياحة الرسمية، ومُستبعدةً الفلسطينيين من إدارتها والوصول إليها، ليصل بذلك مجموع المواقع الأثرية التي صنّفتها القوة القائمة بالاحتلال بين عامي 1967 و2025 على أنها "مواقع أثرية إسرائيلية"، وأعلنتها "مناطق يجب حمايتها والحفاظ عليها" إلى أكثر من 2400 موقع.

العديد من هذه المواقع، تم تحويلها إلى مستوطنات وبؤر استيطانية إسرائيلية، ومواقع عسكرية، ومواقع سياحية وترفيهية يقتصر استخدامها على السياح والمستوطنين الإسرائيليين.

تُهدد السياسات الإسرائيلية نحو 6000 موقع أثري فلسطيني في الضفة الغربية، مُدّعيةً أن هذه المناطق "عريقةٌ في التاريخ اليهودي،" ولا تربطها "أي صلة تاريخية أو غيرها" بفلسطين. ويأتي قرار ضم المواقع الأثرية في ظل خطواتٍ اتخذها مجلس الوزراء السياسي والأمني ​​الإسرائيلي كـإجراءات عقابية ضد السلطة الوطنية الفلسطينية، مُجرّدًا إياها من سلطتها على الآثار، إلى جانب منع أي أعمال ترميم أو بناء فيها. من ناحية أخرى، تُستخدم الحفريات بشكلٍ متكرر لتبرير التوسع الاستيطاني ولتعزيز رواية القوة القائمة بالاحتلال. في هذا السياق، نُهبت القطع الأثرية الفلسطينية ونُقلت إلى المؤسسات الإسرائيلية، بينما تضررت مئات المواقع أو دُمرت بسبب تطوير البنية التحتية وبناء جدار الضم الإسرائيلي، والذي يُقدّر أنه أثّر جزئيًا أو كليًا على حوالي 800 موقع أثري.


  1. التوزيع الزماني لأوامر المصادرة (2013 – 2025)

السنة

عدد الأوامر

النسبة المئوية (%)

ملاحظات

2013

1

1.6

 

2015

2

3.2

 

2016

2

3.2

 

2017

2

3.2

 

2018

1

1.6

موقع سبسطية (المسعوديّة)

2021

19

30.1

دفعة كبرى صدرت بعد توقف عدة سنوات

2022

4

6.3

 

2025

32

50.8

الدفعة الأوسع، تغطي شمال ووسط الضفة (خرب ومواقع أثرية متعددة)

المجموع الكلي (100%): 63 أمرًا رسميًا

 

 


  1. التوزيع المكاني لأوامر المصادرة

المحافظة

عدد الأوامر

النسبة المئوية (%)

ملاحظات

سلفيت

1

1.6

خربة النزلة

رام الله

6

9.5

وتشمل خربة الطيرة، وخربة بير البتين، خان اللبن، خربة العوف، وغيرها  

نابلس

56

88.9

الغالبية الساحقة من الأوامر وتشمل سبسطية، خربة سيلون (تل شيلو)، خربة السوية، خربة الببرية، جبل جرزيم، خربة طانا التحتا، الكولة، خربة ابن نصر، والعديد من الخرب

المجموع الكلي (100%): 63 أمرًا رسميًا

 

 

يظهر تحليل البيانات أن الأوامر  الموثقة تستهدف محافظة نابلس بشكل كبير، وذلك بواقع 56 أمرًا من أصل 63، بالإضافة إلى 6 أوامر في رام الله، وأمر واحد في سلفيت. ومن الواضح أن وتيرة هذه الأوامر قد زادت بشكل ملحوظ خلال السنوات الخمس الأخيرة، إلا أن ذروتها جاءت خلال العام الحالي 2025 بواقع 32 أمرًا، أي نحو نصف مجمل الأوامر. وتتوافق هذه الزيادة الحادة مع التوجهات والقرارات الحكومية التي تهدف صراحةً إلى توسيع السيطرة الإسرائيلية على مواقع التراث في "المنطقة ب" وتجريد السلطة الوطنية الفلسطينية من أي سلطة متبقية على الآثار.


  1. التداعيات القانونيَة

إن سلوك إسرائيل، القوة القائمة بالاحتلال، لا يقتصر على مصادرة الأراضي وقرصنة المواقع التراثية الفلسطينية، بل يتجاوز ذلك إلى تسويق هذه المواقع دوليًا ضمن شبكة التراث الوطني الإسرائيلي، كما في خربة قمران التاريخية وموقع المغطس، إلى جانب عشرات المواقع الأثرية الأخرى. وتسعى إسرائيل بشكل خاص إلى تحويل إرث سبسطية إلى سردية توراتية، متجاهلة القرية الفلسطينية الحية، ما يؤدي إلى محو الهوية الفلسطينية وتحويل كافة عائدات السياحة إلى السلطات الإسرائيلية.

ويتضح أن هذه الممارسات الأحادية، سواء كانت تغييرًا، أو استيلاءً، أو نقلًا أحاديّ الجانب للممتلكات الثقافية والمصادرة التي تقوم بها إسرائيل، لا تقتصر آثارها على الجانب الثقافي والتاريخي فحسب، بل تشكل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي، وتخالف الاتفاقيات والمعاهدات الدولية، وخصوصًا:

اتفاقية لاهاي 1954 والتي تمنع القوة القائمة بالاحتلال من سرقة أو نهب أو الاستيلاء على التراث الثقافي، وتجبره على حمايته وقد تم الاعتراف بهذه النصوص كجزء من القانون الدولي العرفي والذي يسري على الكافة.

- تتضمن الاتفاقية المذكورة سابقًا والاتفاقيات والبرتوكولات اللاحقة لليونيسكو مسؤولية جميع الدول عن حماية الإرث الثقافي في العالم وتمنح الهيئة الدولية مسؤولية التأكد من تطبيق هذه الاتفاقيات ورصد ومتابعة الانتهاكات بهذا الخصوص. و ينص بروتوكول 1954 على وجه الخصوص على منع نقل الممتلكات الثقافية خارج الأراضي المحتلة إلا في حالة وجود خطر كبير يهدد بإتلافها، ويؤكد على ضرورة إرجاعها في حال تم نقلها، الأمر الذي لا تلتزم به إسرائيل.

بروتوكول 1999 الذي جاء بهدف تعزيز الاتفاقية الأصلية وتوفير حماية أشمل للتراث الثقافي في النزاعات المسلحة، ودعا الدول الأطراف إلى تجريم التدمير المتعمد لأي ممتلكات ثقافية.

قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2334 (2016) الذي يؤكد وجوب التمييز بين الأراضي الإسرائيلية والأراضي المحتلة عام 1967، ويجعل أي دعم لإجراءات الضم أو الاعتراف بها مخالفًا للالتزامات الدولية.

- أولت محكمة الجنايات الدولية اهتمامًا خاصًا بالتراث الثقافي والممتلكات الأثرية والتي وضعت من أجلها ورقة سياسات خاصة  في العام 2021، حيث أكدت علي نيتها معاقبة سرقتها أو الاستيلاء عليها أو تخريبها بشكل متعمد والتي تعد جرائم حرب قد ترقى لجرائم ضد الانسانية في بعض الحالات.

وبالتالي فإن مخالفة إسرائيل لهذه الاتفاقيات، تتيح  إمكانية مقاضاتها وملاحقتها دوليًا لا سيما في ضوء موجة الاعترافات الدولية بفلسطين، وفي ظل إعلان نيويورك الذي يشير إلى التزام جميع الدول بوقف الانتهاكات والأفعال غير الشرعية الاستيطانية التي تؤدي الى حرمان الشعب الفلسطيني من حقوقه المشروعة وتقويض حل الدولتين.

 

Back to top